ابن أبي العز الحنفي
41
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
أنواع التَّوْحِيدُ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُسُلُ : ثُمَّ التَّوْحِيدُ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ رُسُلُ اللَّهِ وَنَزَلَتْ بِهِ كُتُبُهُ نَوْعَانِ : تَوْحِيدٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَتَوْحِيدٌ فِي الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ . فَالْأَوَّلُ : هُوَ إِثْبَاتُ حَقِيقَةِ ذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَكَمَا أَخْبَرَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ أَفْصَحَ الْقُرْآنُ عَنْ هَذَا النَّوْعِ كُلَّ الْإِفْصَاحِ ، كَمَا فِي أَوَّلِ " الْحَدِيدِ " وَ " طه " وَآخِرِ " الْحَشْرِ " وَأَوَّلِ " ألم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ " وَأَوَّلِ " آلِ عِمْرَانَ " وَسُورَةِ " الْإِخْلَاصِ " بِكَمَالِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَالثَّانِي : وَهُوَ تَوْحِيدُ الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ ، مِثْلَ مَا تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ( 1 ) ، وَ { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } ( 2 ) ، وَأَوَّلُ سُورَةِ " تَنْزِيلُ الْكِتَابِ " وَآخِرُهَا ، وَأَوَّلُ سُورَةِ " يُونُسَ " وَأَوْسَطُهَا وَآخِرُهَا ، وَأَوَّلُ سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " وَآخِرُهَا ، وَجُمْلَةُ سُورَةِ " الْأَنْعَامِ " . وَغَالِبُ سُوَرِ الْقُرْآنِ مُتَضَمِّنَةٌ لِنَوْعَيِ التَّوْحِيدِ ، بَلْ كُلُّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ . فَإِنَّ الْقُرْآنَ إِمَّا خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ الْخَبَرِيُّ . وَإِمَّا دَعْوَةٌ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَخَلْعُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ ، فَهُوَ التَّوْحِيدُ الْإِرَادِيُّ الطَّلَبِيُّ . وَإِمَّا أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِلْزَامٌ بِطَاعَتِهِ ، فَذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ التَّوْحِيدِ وَمُكَمِّلَاتِهِ . وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ إِكْرَامِهِ لِأَهْلِ تَوْحِيدِهِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، وَمَا يُكْرِمُهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَهُوَ جَزَاءُ تَوْحِيدِهِ . وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ،
--> ( 1 ) سورة الكافرون آية : 1 . ( 2 ) سورة آلِ عِمْرَانَ آية : 64 .